أربيل - نزار آغري الحياة - 15/06/08//

جلال طالباني
بفضل الاحتلال الأميركي للعراق انهار دفعة واحدة الكابوس الذي جثم على كاهل الأكراد عقوداً طويلة، من الخوف والقتل والإبادة. والآن ينهض أمام الأكراد أمل بمستقبل واعد. لقد باتوا مقارنة ببقية سكان العراق، يتمتعون بمستويات معيشة جيدة. ويسود في إقليم كردستان استقرار أمني، وتسعى حكومة الإقليم إلى تسويق كردستان باعتبارها منطقة واعدة وتقدمية وديموقراطية.
ولكن تحت هذه الواجهة، يناضل المواطن الكردي في سبيل لقمة العيش. وحين يتجول المرء في شوارع المدن الكردية ويلتقي الناس ويستفسر عن أحوالهم يتلقى إجابات تصب معظمها في نقد الواقع القائم والامتعاض من سلوك المسؤولين الذي لا يأبهون لأوضاع العامة بل يسخّرون جهودهم لتعزيز قبضتهم في الحكم. ويهيمن على الحياة السياسية الحزبان الرئيسان، الحزب الديموقراطي بزعامة مسعود البارزاني والاتحاد الوطني بزعامة جلال الطالباني.
لقد نشأت دولة شبه مستقلة غير أن ممارسات هذه الدولة تنهض على القيم العائلية والعشائرية. ويرى الناس أن قضايا الإنماء والتنمية والتطوير ليست جدية على نحو ما تفترض تجربة جديدة. يقول عبد الواحد محمد، (موظف)، أن «الحزبين الرئيسين يسيطران على كل شيء، وهما لا يتورعان عن التذابح في سبيل الاستئثار بالسلطة والمال». وتشكو مليحة برزنجي من قيام السلطات باعتقال ابنها الذي لم يعد له أثر.
وحين يكون المواطن العادي محروماً من حقوقه الاقتصادية والاجتماعية فإنه لا يستطيع أن يملك حرية حقيقية تؤهله لممارسة دوره السياسي والمشاركة في صنع القرار وصوغ الحياة العامة. فالتعيينات في الدوائر الحكومية تتم بتزكية من أحد الحزبين. وعادة ما يتم فرض الموظفين على الأسس الشخصية والقبلية. وقد تشكلت حلقة ضيقة ممن يحتكرون الفرص الذهبية للتجارة والبناء وبيع عقود العمل للشركات الأجنبية.
في مدينة السليمانية ثاني أكبر مدن كردستان العراق ومعقل الاتحاد الوطني الكردستاني ، يشكو السكان من إنهم لا يحصلون على المياه الجارية إلا أربع ساعات كل ثلاثة أيام، أما التيار الكهربائي، فلا يصلهم إلا ثلاث ساعات في اليوم. وقد أدت المياه الملوثة الى تفشي وباء الكوليرا. تقول امرأة فقدت ولدها الذي توفي بالكوليرا: «لقد طلبنا من الحكومة مراراً أن تساعدنا لكن دون جدوى».
السيدة الكردية تحدثت عن الخوف الذي كان ينتابها عندما عصف الوباء بالمنطقة إذ كانت تعلم أن المياه التي تشربها أسرتها ملوثة، ولكنها لم تكن تستطيع ان تغليها بسبب انقطاع التيار الكهربائي.
وخلصت إلى القول: «عندما أفكر في الموازنة وملايين الدولارات وأرى وضعي أشعر وكأني مت».
والحقيقة ان موازنة اقليم كردستان كبيرة فعلاً، إذ تجاوزت ستة مليارات دولار العام الماضي، جلها من حصة الإقليم من صادرات النفط العراقي. لكن هناك بون يتسع باستمرار بين المواطنين العاديين والصفوة الحاكمة.
يقول آري هارسين، وهو مقاتل سابق في صفوف البيشمركة: «أرى بعض المسؤولين الحاليين الذين كانوا منذ عشرين سنة خلت يقاتلون معنا في الجبال. كانوا حينئذ وطنيين مثاليين. اما الآن، فهم يستقلون سيارات اللاند كروزر ذات النوافذ الغامقة ولديهم الكثير من الحرس».

مسعود بارزاني
ويراقب الناس ظاهرة الثروة التي نزلت على المنطقة الكردية واستقرت في أيدي فئة محدودة. لم تستخدم الثروة لإزالة آثار التخلف والفقر التي مورست بحق الكرد سنوات طويلة إلا على نحو محدود حتى الآن. ويفضل أعضاء الحزبين الحاكمين مشاريع المكاسب السريعة بدلاً من التخطيط لمستقبل بعيد يؤخذ فيه الصالح العام في الحسبان. ويشير العديد من الناس إلى أن الإقليم تعاظمت فيه ظواهر الإثراء والفساد. لقد انبثقت طبقة من الأثرياء الجدد من الزعماء الحزبيين وقادة البيشمركة السابقين. ويقول سليم الجاف، وهو طالب جامعي، أن الشقق الفخمة في «مدينة الأحلام» متوافرة فقط للمتنفذين والمقربين منهم. وفي هذه الشقق يمكن أن يجد المرء كل شيء تطلبه نفسه. أما الفقراء أمثالنا فلنا أن نحلم برغيف الخبز والكهرباء».
وينتشر في شوارع المدن الكردية أعداد كبيرة من الأطفال الذين أجبرتهم الظروف على التوقف عن اللعب، فتخلوا عن طفولتهم سعياً وراء لقمة العيش. وتشير دراسة ميدانية أجرتها مؤسسة رعاية الأطفال في أربيل إلى وجود 8246 طفلاً، معدل أعمارهم بين 13 و14 سنة يعملون في اربيل، و4067 آخرين في مدينة السليمانية، و2565 طفلاً في دهوك.
وقد ارتفعت تكاليف السلع والخدمات والإيجارات بصورة حادة فى المدن الكردية وتجاوزت بعض الأحيان معدل 500 في المئة. واكثر الأحيان لا تتوافر بعض الخدمات الأساسية.
ويبدو أن ما يحدد بوصلة السياسة ليست شؤون الناس بل مصلحة الفاعلين المتنفذين. وليس للمواطن الكردي العادي أي دور في ما يجرى من تقلبات في التشكيلات الحكومية والاتجاهات السياسية والمواقف المتخذة. وتقوم الأحزاب المسيطرة بالترويج لمقولة أنها تؤدي رسالة قومية مقدسة وأن الأعداء بالمرصاد. ويتحدث الناس عن النمو المشوه للدولة إذ يتضخم الحزب على حساب الحكومة وتترسخ أساليب سوء الإدارة والمحسوبية ومحاباة الأقارب. لقد تداخل الحزب والعائلة والعشيرة حتى بات من الصعب التعرف على الملامح الحقيقية للكيان السياسي في الإقليم. وفي وقت تعيش غالبية كبيرة من الناس تحت خط الفقر فإن المسؤولين الحزبيين يستقدمون خادمات من الفليليبين وسيريلانكا. لقد انتشر الإثراء الفاحش في حين يحرم المواطن العادي من حقوقه.
ويشعر الكثير من الأكراد بالعجز إزاء الواقع الذي يجدون أنفسهم فيه. فهم لا يستطيعون القيام بأي شيء لتغيير السائد. فليست هناك محاسبة، حتى حين تتخذ الحكومة قرارات خاطئة مثل إنارة مرفق يخص زعيماً في شكل متواصل فيما تقطع الكهرباء عن المواطنين العاديين كل الوقت تقريباً. وتسعى السلطات الحاكمة إلى التحكم بمفاتيح الرقابة من خلال احتكار وسائل التعبير إذ يتحول المجتمع إلى نطاق حصري لسريان الرأي الرسمي وحسب.
بالطبع ثمة قوانين وتشريعات غير أن هناك تناقضاً فاضحاً بين هذه النصوص وما يجرى على أرض الواقع. وبالنسبة الى الناس فإن الحماس والآمال التي نشأت في الأيام الأولى من «الاستقلال الذاتي» تركت مكانها لنوع من الإحباط. ولا تجد كثرة من الشباب الكردي فرصة للعمل وليس لهما من أمل بالمستقبل القريب. لم يعد يداعبهم سوى حلم واحد: ترك «واحة الديموقراطية» والهجرة إلى الخارج بأي سبيل ممكن.
No comments:
Post a Comment