Questions/Comments

Please direct all questions, comments and concerns to Nishra_Kooma@Yahoo.com

Saturday, July 12, 2008

المركــزية.. طريقة الحكم الأنجع حالياً في العراق

نبيل شانو

لاشك أن لكل مجموعة بشرية حضارتها وموروثها الثقافي الخاص تتميز به عن غيرها من مجموعات أخرى، فهناك مجموعات قد طوت حالة التخلف والعنف لتلج واقع حضاري جديد أساسه الديمقراطية وحقوق الإنسان، وهناك اخرى لازالت متمسكة بعادات وتقاليد لم تعد تتناسب والتطور الذي تشهده الانسانية، ربما ذلك نابع من خوفها فقدان خصوصيتها لصالح ثقافة جديدة لا تلائمها حالياً على الأقل. في المجتمع الشرقي الذي نحن جزء من منظومته التاريخية والثقافية هناك احترام بل وتقديس لبعض المفاهيم المتوارثة ومنها المركزية، فللمركزية وقع خاص في حياتنا وهي تدخل لدينا في كافة مناحي الحياة تقريباً، ابتداء من الأسرة الصغيرة وحتى المجتمع الأكبر ضمن الدولة.

إن ما ذكرناه سابقاً يعطينا لمحة واقعية عن طريقة الحكم الانجع في اي مجتمع، فهناك من انتهى بتسخير العادات والتقاليد في خدمة الانسان، كما هي الحال في الدول المتطورة في عالم اليوم، وهناك من لازال متمسكاً بالموروثات الى الحد الذي يجعل الإنسان وطاقاتاته في خدمتها ومدافعاً عنها، كما هي الحال في الدول النامية من التي تقبع في قعر التطور الحضاري والتقني .

العراق الذي هو موضوع مقالنا اليوم يشكل جزءاً من المجموعة الثانية من المجتمعات - النامية- فعلى الرغم من مرور اكثر من خمسة اعوام على عملية التغيير، والتي كان من اهدافها إقامة نظام حكم ديمقراطي تعددي، إلا أن ذلك قد اصطدم بالواقع الفعلي المستند إلى الموروث الثقافي للمجتمع، فعلى الرغم من أن مشروع " العراق الجديد " لا يتضمن مصطلح المركزية المرادف للفردية أو الديكتاتورية استنادا لمنظومة القيم التي نشأنا عليها والتي اصبحت جزءاً من ثقافتنا - كما أسلفنا-، فقد فشلت السيطرة على الوضع الداخلي العراقي بسبب تلك الثقافة المتجذرة في نفس وتصرف المسؤول والمواطن العادي على حد سواء ، في تصور ان ما عدا الحكم المركزي " القاسي " هو ضرب من الترف غير المقبول إن من ناحية الثقافة او التصرف او النتائج، فغالبية القوى الاساسية صاحبة القول الفصل في البلد اليوم لا يدل عملها واجندتها وتثقيفها على الديمقراطية والتعددية وحرية الرأي، وهي تمارس المركزية في كل تصرفاتها، فكيف ستنجح هذه الاطراف في ترسيخ المفاهيم الجديدة في العراق بشكل عام؟، في حين انها تمارس المركزية المطلقة داخل أحزابها وكياناتها، وخير مثال على ذاك هو عدم تغيير اي من رموزها طيلة الاعوام الطويلة الماضية!!، فكانت الموازنة الصعبة بين ما نتأمله من مستقبل للوطن المستند للمفاهيم الجديدة وبين الحفاظ على التقاليد والموروثات الثقافية، وقد انعكس ذلك على السياسة الجديدة لحكومة رئيس الوزراء السيد نوري المالكي، فهذه الحكومة تحاول الخروج من هذا المأزق خلال الفترة الاخيرة لترسيخ سلطة القانون وذلك عبر محاربة الارهاب والسلاح الخارج عن سلطة الدولة "الميليشيات"، فالى ما قبل عمليات البصرة كان سيل النقد الداخلي يتمثل بأنها- اي الحكومة- ضعيفة وغير قادرة على محاربة الخارجين عن القانون، أو أنها لا تريد ذلك لاسباب شتى، وهي الطرف الأضعف في معادلة القوى الداخلية اليوم في العراق، لكن يبدوا ان الحكومة قد احست بضرورة اخذ زمام المبادرة وفرض الهيمنة "باللغة التي يفهمها مجتمعنا" وعدم ابقاء الوضع على ما هو عليه من فلتان أمني، الذي يؤثر على صورة المستقبل غير الواضح المعالم أصلاً. عليه فالعملية التي انطلقت منذ ما يزيد عن شهرين إبتداءاً بمدينة البصرة ومدينة الصدر في بغداد، مروراً بالموصل وغيرها من المدن الخارجة عن السلطة المركزية للدولة، انتهاءاً بفرض القانون على الجميع دون استثناء، هنا نلاحظ تفاعل المواطنين مع هذا الفعل وتأييدهم له لأيمانهم بأنه من السابق لاوانه حل المشاكل الداخلية وفق مفاهيم جديدة غريبة عن واقعنا الطبيعي والتي تتطلب وعي خاص لم نصل إليه بعد، فما نحتاج اليه حالياً هو إثبات ان الحكومة المركزية هي حكومة قوية قادرة على حسم اي صراع قد ينشب مع هذه الجهة او تلك- من التي تهدد حالة السلم والاستقرار- وبالتالي اثبات قوة وهيبة الدولة تجاه الدول المجاورة والاجنبية الطامعة، بحيث ان تدخل تلك الدول في شؤون العراق الداخلية سينحصر بأدنى مستوياته هوايضاً .

ان المركزية وليس الدكتاتورية ضمانة - حالياً على الأقل- للحفاظ على وحدة العراق وتماسكه وقوته، فالقول بالتوزيع الفوري للصلاحيات على الاقاليم والمحافظات سيؤدي بالتأكيد الى ضعف المركز، وهذا لن يعني قوة للأقاليم والمحافظات، بل ستكون عرضة لاطماع الدول المجاورة المتربصة لاي حالة ضعف في مركز القرار لتمرير اجندتها التوسعية، والمركزية تؤدي في النتيجة الى حالة من الضبط الضروري لترسيخ حكم القانون ومنع حالة التسيّب والفلتان، حيث يصبح المجتمع بمجمله جاهز لتلقي الافكار والمفاهيم الانسانية الجديدة بهدف تطوير ذاته والانطلاق في اثر الشعوب المتقدمة التي اجتازت مرحلة الديكتاتورية والتخلف. يقول الفيلسوف الالماني الكبير عمانوئيل كانت بهذا الصدد: " إن إهمال الضبط شر اعظم من إهمال الثقافة، لان إهمال الثقافة يمكن علاجه في الحياة فيما بعد "، فالمركزية التي يخشى من نتائجها حالياً، قد تكون هي الحل المتاح والوحيد.

No comments: